الحلبي

18

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

على أن العرب من عهد إبراهيم استمرت على دينه : أي من رفض عبادة الأصنام إلى زمن عمرو بن لحي ، فهو أول من غير دين إبراهيم ، وشرع للعرب الضلالات ، فعبد الأصنام وسيب السائبة وبحر البحيرة . وقيل أول من بحر البحيرة رجل من بني مدلج كانت له ناقتان فجدع أذنيهما وحرم ألبانهما ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « رأيته في النار يخبطانه بأخفافهما ، ويعضانه بأفواههما » . وعمرو أول من وصل الوصيلة ، وحمى الحامي ، ونصب الأصنام حول الكعبة وأتى بهبل من أرض الجزيرة ونصبه في بطن الكعبة فكانت العرب تستقسم عنده بالأزلام على ما سيأتي . وأول من أدخل الشرك في التلبية ، فإنه كان يلبي بتلبية إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ، وهي « لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك » فعند ذلك تمثل له الشيطان في صورة شيخ يلبي معه ، فلما قال عمرو لبيك لا شريك لك ، قال له ذلك الشيخ : إلا شريكا هو لك ، فأنكر عمرو ذلك ، فقال له ذلك الشيخ : تملكه وما ملك ، وهذا لا بأس به ، فقال ذلك عمرو ، فتبعته العرب على ذلك : أي فيوحدونه بالتلبية ، ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده ، قال تعالى توبيخا لهم وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ( 106 ) [ يوسف : الآية 106 ] وهو أول من أحل أيضا أكل الميتة ، فإن كل القبائل من ولد إسماعيل لم تزل تحرم أكل الميتة حتى جاء عمرو بن لحي فزعم أن اللّه تعالى لا يرضى تحريم أكل الميتة ، قال : كيف لا تأكلون ما قتل اللّه وتأكلون ما قتلتم ؟ . وروى البخاري أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا ، ورأيت عمرا يجر قصبه في النار » وفي رواية « أمعاءه » أي وهي المراد بالقصب بضم القاف . وفي رواية « رأيته يؤذي أهل النار بريح قصبه » ويقال للأمعاء الأقتاب واحدها قتب بكسر القاف وسكون المثناة الفوقية آخره باء موحدة ، ومن ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم « يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار » والاندلاق : الخروج بسرعة . وقال صلى اللّه عليه وسلم لأكثم بن الجون الخزاعي واسمه عبد العزى وأكثم بالثاء المثلثة : وهو في اللغة واسع البطن « يا أكثم رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار ، فما رأيت رجلا أشبه من رجل منك به ولا بك منه ، فقال أكثم : فعسى أن يضرني شبهه يا رسول اللّه ، قال لا ، إنك مؤمن وهو كافر ، إنه أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان » أي ودين إسماعيل هو دين إبراهيم عليهما الصلاة والسلام ، فإن العرب من عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام استمرت على دينه لم يغيره أحد إلى عهد عمرو المذكور كما تقدم . وفي كلام بعضهم أن أكثم هذا هو أبو معبد زوج أم معبد التي مرّ بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عند الهجرة ، وأكثم هذا هو الذي قال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « رأيت